إنجاز علمي عراقي.. إنتاج فطر طبي نادر بكلفة منخفضة وبمواد محلية

بانيقيا نيوز12 فبراير 2026
إنجاز علمي عراقي.. إنتاج فطر طبي نادر بكلفة منخفضة وبمواد محلية

الأنبار – واع – آية منصور

نجح فريق بحثي في جامعة الأنبار، بإنتاج فطر الشيتاكي الطبي للمرة الأولى داخل العراق، في خطوة تفتح باب توطين زراعته محليًا وتحويله من منتج مستورد مرتفع الكلفة إلى مشروع قابل للتوسع الزراعي والغذائي.

ويستهدف العمل الاستفادة من المخلفات الزراعية المتاحة في البيئة العراقية لتكون أساسًا لزراعة الفطر، مع تحويل ما ينتج عن العملية إلى سماد عضوي، بما يضيف قيمة اقتصادية للمزارع ويمنح الفطر نفسه حضورًا غذائيًا أعلى بفضل غناه بالبروتين، إلى جانب ما يرتبط به من استخدامات علاجية.

وانطلقت الفكرة ضمن مشروع بحثي أكاديمي، يقوده طالب الدكتوراه، محمد بركات، في كلية الزراعة والعلوم، وتركزت خطواته على الحصول على عزلات وسلالات من فطر الشيتاكي المعروف علميًا بـ Lentinula edodes، ثم اختبار نموها وملاءمتها للظروف المحلية، وتطوير تقنيات زراعة مكيفة تعتمد مخلفات زراعية متوفرة بدل الأوساط العالمية المكلفة ذات المكونات غير المعلنة، كما اتجه البحث إلى تحليل التركيب الكيميائي للفطر المنتج ودراسة خصائصه الطبية، مع اهتمام خاص بالمادة الفعالة “اللينتان” المعروفة بارتباطها بدعم المناعة ومقاومة الأورام.

تقليل الاعتماد على الاستيراد

وقال طالب الدكتوراه محمد بركات،في حديثه لوكالة الأنباء العراقية (واع): إن “فكرة إنتاج فطر الشيتاكي بدأت حين طُرح الموضوع داخل الكلية، وتحديدًا في قسم التربة والموارد المائية، باعتباره موضوعًا مرتبطًا بتخصص أحياء التربة المجهرية”، مبينًا أن “الإشراف العلمي تولاه كل من د.أدهام علي عبد ود.جمال صالح حمود”.

وأضاف أن “بحثه، كطالب دكتوراه، كان يتجه نحو موضوع مختلف يضع أمامه تحديًا حقيقيًا في بدايات مسيرته الأكاديمية، خصوصًا بعد أن سمع أن محاولات بحثية سابقة تعثرت في إنتاج هذا الفطر، ما دفعه إلى التعمق في تفاصيله ومزاياه والعقبات المتوقعة قبل اتخاذ قرار الدخول في المشروع”.

وأوضح أن “الحديث عن (الاحتكار ) يرتبط بالبعد الاقتصادي داخل البلاد، عبر إنتاج الفطر محليًا بما يقلل الاعتماد على الاستيراد، مشيرًا إلى أن الوصول إلى الأوساط المفضلة لهذا الفطر والعزلات الطبية ظل يمر غالبًا عبر وسطاء من باحثين أو جهات خارجية، مع صعوبات تتصل بإدخال بعض الأصناف إلى العراق وإجراءات الحصول عليها”.

وتابع بركات، أن “التحدي الأول أمام المشروع كان مرتبطًا بطبيعة المناخ في مناطق العراق الوسطى والجنوبية، حيث تصل درجات الحرارة في بعض الأيام إلى 51 درجة مئوية، في وقت تنمو فيه أغلب أنواع الفطر الغذائي والطبي ضمن مدى حراري يتراوح بين 15 و28 درجة مئوية”.

وأردف، أن “تذبذب الكهرباء ضاعف صعوبة السيطرة على البيئة الملائمة للنمو، ما جعل إدارة الحرارة والرطوبة جزءًا حاسمًا من التجربة”.

من الإنتاج إلى المختبر.. اختبار المستخلصات ضد بكتيريا مرضية

وبيّن أن “التحديات تزامنت مع جائحة كوفيد-19 وما رافقها من نقص في الأدوات والمعدات، الأمر الذي دفعه إلى تعويض جزء من الاحتياجات عبر بدائل محلية قام بتصنيعها بنفسه لتقليل الكلفة الاقتصادية للبحث”.

واستطرد أنهم “تجاوزوا مشكلة الحرارة عبر نصب وحدات تبريد من نوع (سبلت)، إلى جانب تصنيع وحدات لإنتاج الرطوبة ضمن نطاق يتراوح بين 80 و95 بالمئة، بما يضمن بقاء الوسط الزراعي داخل حدود النمو المطلوبة”.

وأشار إلى أن “التعقيم مثّل تحديًا إضافيًا، في ظل محدودية أجهزة التعقيم المتاحة التي تقتصر غالبًا على الاستخدامات المختبرية والعينات الصغيرة”، مؤكدًا أن “الفريق اتجه إلى البحث عن بدائل عملية لتأمين تعقيم إنتاجي يتناسب مع طبيعة العمل وحجمه”.

وأوضح أنه “اعتمد على حوامل غزل فطري جديدة جرى توظيفها داخل البحث، من بينها نوى التمر، إلى جانب تطوير خلطات محسوبة محليًا اعتمادًا على نبات القصب الذي تتحول كثافته في مجاري الأنهار إلى مشكلة تتولى وزارة الموارد المائية إزالته”، مشيرًا إلى “إدخال مخلفات معامل الدبس، وهي المادة الصلبة المتبقية بعد صناعة دبس التمر، مع أنواع نباتية أخرى ضمن تراكيب مدروسة”.

ونوه بأن “قيمة الإضافة ظهرت في استخدام القصب كحامل للغزل الفطري للمرة الأولى داخل العراق، مع تحقيق نتائج إنتاج مماثلة لما يتحقق على الأوساط المثالية”، مضيفًا أن “العمل تجاوز جانب الإنتاج إلى اختبار مستخلصات الأجسام الثمرية في التضاد مع بكتيريا مرضية، ثم استثمار الأوساط الزراعية المتبقية بعد الحصاد في إنتاج شتلات صغيرة تُعرف محليًا بالدايات”.

وتحدث بركات عن “خطوته التالية، قائلاً: إن هدفه تحويل نتائج البحث إلى مشروع صناعي يجمع بين إنتاج فطر الشيتاكي والفطر الأبيض. وأوضح أن الشيتاكي يراه مكملًا غذائيًا طبيًا تتقدم فيه الخصائص العلاجية على الجانب الغذائي، مع الإشارة إلى أن التحدي الأبرز يتمثل في التسويق، نتيجة صعوبة تقبل المستهلك العراقي لفكرة المكملات المرتبطة بالأعشاب أو الطب التقليدي، على عكس بلدان مثل الصين واليابان حيث يرتفع إنتاج هذا الفطر واستهلاكه لارتباطه بهذه الخصائص”.

وأضاف أن “بحوثًا تشير، وفق ما اطّلع عليه ضمن عمله، إلى أن تناول حبة من الشيتاكي المجفف يرتبط بتقليل مخاطر تصلب الشرايين وارتفاع ضغط الدم، وخفض مستوى السكر في الدم، إضافة إلى تقليل احتمالات الإصابة بأمراض وأورام سرطانية لاحتوائه على مركبات يصفها بالمفيدة”.

ولفت إلى أن “إدراج الفطر الأبيض ضمن المشروع يأتي بوصفه فطرًا غذائيًا أسهل إنتاجًا وأكثر قبولًا لدى المستهلك العراقي، ما يوفر طريقاً تسويقياً أسرع بالتوازي مع بناء سوق تدريجية لمنتج الشيتاكي”.

التعاون مع السوق العراقية

من جانبه أكّد عميد كلية الزراعة في جامعة الأنبار، الأستاذ الدكتور أدهام علي عبد، في حديثه لـ (واع)، أن “الباحث نجح في تثبيت تقنية الإنتاج في نهاية المطاف، مع تحسين المردودية وخفض التكاليف بصورة كبيرة قياسًا بالتقنيات المتداولة التي تبقى تفاصيلها غير واضحة على نحو كافٍ”.

وبيّن أن “دور الكلية كان حاسمًا في دفع المشروع نحو قيمة اقتصادية فعلية، عبر توفير بيئة بحثية داعمة وتأمين المختبرات والأجهزة الدقيقة اللازمة لعمليات العزل والتحليل الكيميائي. وأضاف أن الإشراف المعرفي وتوجيه الأساتذة المشرفين ممن يملكون خبرة في علم الفطريات أو التقانة الحيوية حافظ على سلامة المنهج ودقة النتائج، بما يعزز قابلية الانتقال من مساحة البحث إلى تطبيق إنتاجي قابل للتطوير”.

وقدّم عبد، “تصورًا لتحويل فكرة فطر الشيتاكي من مشروع بحثي إلى إنجاز اقتصادي يسهم في كسر احتكار السوق، مبينًا أن نجاح التحويل يرتبط بالابتكار العلمي وبالنهج المتبع لتبني المنتج محليًا وتكامل حلقات العمل المرتبطة به”.

وأشار إلى أن “الجامعة تستطيع دفع التقنية نحو السوق عبر وسائل متعددة، من بينها منح ترخيص لاستخدام التكنولوجيا المحمية ببراءة اختراع لشركة محلية ناشئة (Startup) أو لمؤسسة صناعية قائمة، على أساس رسوم ترخيص وحقوق مبيعات (Royalty) بما يضمن مردودًا مستمرًا للجامعة والباحث، كما لفت إلى إمكانية تأسيس شركة منبثقة (Spin-off Company) بالشراكة مع الباحث والمستثمرين، بحيث تتوزع الحصص وفق الملكية الفكرية والجهد ورأس المال”.

وأردف ان “خيار مذكرات التفاهم واتفاقيات التصنيع مع المؤسسات الحكومية أو الصناعات الدوائية الوطنية يمنح الإنجاز محليًا ويعزّز حضوره كبديل استراتيجي للمنتجات المستوردة، مع حماية حقوق الباحث والمؤسسة وتقليل فرص النزاع القانوني الدولي”.

وتابع ان “تحويل النتائج البحثية إلى منتج تجاري يتطلب خطوات عملية متداخلة تبدأ بتجهيز بنية إنتاج شبه صناعية داخل الكلية وبالتنسيق مع وحدات نقل التكنولوجيا (TTO) لضمان جاهزية المنتج للتصنيع واستقرار خصائصه الكيميائية في الإنتاج التجريبي، ثم إعداد نموذج عمل (Business Model) قابل للعرض على المستثمرين في القطاع الخاص الدوائي”.

الاخبار العاجلة