كمبيوترات مستوحاة من الدماغ تتفوق في الرياضيات المعقدة

بانيقيا نيوزمنذ 6 ساعات
كمبيوترات مستوحاة من الدماغ تتفوق في الرياضيات المعقدة

الرابعة- متابعة

في خطوة قد تعيد رسم مستقبل الحوسبة العلمية، أثبتت حواسيب مستوحاة من طريقة عمل الدماغ البشري قدرتها على حل معادلات رياضية معقدة كانت تُعد حكرًا على الحواسيب العملاقة عالية الاستهلاك للطاقة.

وأظهر البحث الجديد الذي نشر في دورية Nature Machine Intelligence، أن ما يُعرف بـ”الحوسبة العصبية” (Neuromorphic Computing) يمكنه التعامل بكفاءة مع المعادلات التفاضلية الجزئية (PDEs)، وهي العمود الفقري لمحاكاة الطقس، وتدفق السوائل، والحقول الكهرومغناطيسية، وسلوك المواد تحت الضغط، وحتى بعض النماذج المرتبطة بالأمن القومي.

والمعادلات التفاضلية الجزئية تُستخدم في توصيف الأنظمة الفيزيائية المعقدة، لكنها تتطلب عادة قدرات حسابية هائلة. ولهذا تعتمد مراكز الأبحاث الكبرى على حواسيب عملاقة تستهلك كميات ضخمة من الكهرباء لإجراء هذه الحسابات.. غير أن فريقًا من مختبرات سانديا الوطنية في الولايات المتحدة طوّر خوارزمية جديدة تسمح للعتاد العصبي -المصمم لمحاكاة الشبكات العصبية في الدماغ- بحل هذا النوع من المعادلات بكفاءة.

وتختلف الحوسبة العصبية جذريًا عن البنية التقليدية للحواسيب، فهي لا تعتمد على المعالجة الخطية المتسلسلة، بل على شبكة من “عُقد” تعمل بطريقة أقرب إلى الخلايا العصبية، ما يتيح معالجة متوازية وموفرة للطاقة.

وللوهلة الأولى، قد يبدو أن الأنظمة العصبية مناسبة فقط للتعرف على الأنماط أو لتسريع تطبيقات الذكاء الاصطناعي. لكن الباحثين يرون أن الدماغ البشري نفسه ينفذ حسابات معقدة للغاية في كل لحظة؛ من دون أن نشعر. فحركات دقيقة مثل ضرب كرة تنس أو توجيه ذراع لالتقاط جسم متحرك، تتطلب حسابات ديناميكية معقدة تتعلق بالسرعة والمسار والقوى الفيزيائية. ومع ذلك، ينجزها الدماغ بكفاءة طاقية مذهلة مقارنة بأي حاسوب تقليدي.

والجديد في الدراسة أن الباحثين وجدوا رابطًا غير متوقع بين نموذج معروف في علم الأعصاب الحاسوبي وبين صياغة رياضية للمعادلات التفاضلية الجزئية، وهو رابط لم يُكتشف طوال أكثر من عقد على طرح النموذج.

وأحد أبرز أبعاد هذا الاكتشاف يتعلق بالطاقة، فالحواسيب العملاقة الحالية، خاصة تلك المستخدمة في محاكاة الأنظمة النووية أو المناخية، تستهلك كميات ضخمة من الكهرباء.

وإذا أمكن تنفيذ عمليات محاكاة مماثلة باستخدام حواسيب عصبية، فقد يعني ذلك خفضًا كبيرًا في استهلاك الطاقة، مع الحفاظ على الأداء الحسابي المطلوب. وهذا يفتح الباب أمام فكرة “الحاسوب العملاق العصبي”، وهو جيل جديد من الأنظمة فائقة القدرة وأقل استنزافًا للموارد.

نافذة على أسرار الدماغ

والبعد الآخر للاكتشاف لا يقل أهمية. فبناء خوارزميات تحاكي طريقة عمل الشبكات العصبية قد يساعد أيضًا في فهم أعمق لكيفية إجراء الدماغ للحسابات.

ويرى بعض الباحثين أن اضطرابات عصبية مثل ألزهايمر أو باركنسون قد تكون -جزئيًا- “اضطرابات في الحوسبة” داخل الدماغ. وإذا اتضح أن الدماغ يحل أنماطًا معينة من المعادلات بطريقة طبيعية، فقد يسهم هذا الفهم في تطوير نماذج تفسيرية أو حتى أدوات تشخيص مستقبلية.

ولا تزال الحوسبة العصبية مجالًا ناشئًا، لكن النتائج الجديدة تمثل خطوة كبيرة نحو توسيع استخدامها خارج نطاق الذكاء الاصطناعي التقليدي. فإذا كان بالإمكان نقل خوارزميات رياضية أساسية إلى بنية عصبية بنجاح، فقد يكون السؤال التالي: هل يمكن تطبيق تقنيات رياضية أكثر تقدمًا بالطريقة نفسها؟

وبين طموح بناء حواسيب عملاقة أكثر كفاءة، ومحاولة فهم آليات الحساب في الدماغ البشري، يبدو أن الخط الفاصل بين علوم الأعصاب والرياضيات التطبيقية والهندسة الحاسوبية بات أرفع من أي وقت مضى.. وربما أكثر إثارة أيضًا.

الاخبار العاجلة