بغداد – واع – آية منصور
في السادس من كانون الثاني، يرتدي الوجدان العراقي بزته العسكرية؛ فذكرى تأسيس الجيش ليست مجرد صفحة في تقويم الدولة، بل هي حكاية تآخٍ بين الشعب ورجاله امتدت لأكثر من قرن. هي ذكريات “البطولات” وقصص الأجداد، وهي تلك التحية العفوية التي يرفعها طفل في زقاق شعبي لآلية عسكرية تمر من أمامه، في مشهد يختزل إيمان العراقي بأن هذا الجيش هو ركنه الثابت وسوره المنيع.
“فوج الإمام موسى الكاظم”
انطلقت الشرارة الأولى في 6 كانون الثاني 1921، حين عُقد الاجتماع التاريخي لتأسيس المقر العام، واضعاً حجر الأساس لمؤسسة ستحمل على عاتقها هوية البلاد. وفي 19 تموز من العام ذاته، لبى العراقيون نداء الواجب بانطلاق أول قافلة متطوعين، ليولد من رحمها “فوج الإمام موسى الكاظم” كأول نواة للجيش البري، مستقراً في رحاب الكاظمية المقدسة قبل أن تشد ركابها إلى مدينة الحلة أواخر عام 1921، معلنةً فجر عهد جديد.
صناعة القادة و”صقور الجو”
لم يكن بناء الجيش عدداً بلا عُدة، ففي عام 1924 شُيدت مدرسة الرستمية العسكرية لتكون مصنعاً للرجال وقادة الميدان، متبنيةً مناهج احترافية أثمرت عن تخرج أولى دفعاتها عام 1927. ومع حلول الثلاثينيات، تعالت طموحات المؤسسة لتشمل عنان السماء؛ ففي 22 نيسان 1931، وُلدت القوة الجوية العراقية بعودة صقورها الأوائل من تدريباتهم في المملكة المتحدة، ليرسم السرب الأول ملامح قوة جوية سيهابها الأعداء لعقود.
مآثر العروبة.. من العراق إلى فلسطين
ظل الجيش العراقي وفياً لعقيدته العروبية، فكان “بيضة القبان” في الدفاع عن فلسطين منذ نكبة 1948. ويذكر الباحث “تشارلز تريب” أن القطعات العراقية أصبحت “أكبر قوة عربية منفردة” على الثرى الفلسطيني، حيث أحكمت قبضتها على المرتفعات الاستراتيجية في الضفة الغربية (مثلث الصمود: نابلس-جنين-طولكرم).
وفي ملحمة جنين الخالدة (أواخر أيار 1948)، سطر أبناء الرافدين مأثرة لا تُمحى؛ إذ تمكنوا بتلاحم بطولي مع المتطوعين الفلسطينيين من كسر حصار مخفر المدينة فجر 4 حزيران، منفذين مناورة التفاف أذهلت الصهاينة المعتدين وأوقعت فيهم خسائر جسيمة. واليوم، لا تزال قبور الشهداء العراقيين في مقبرة جنين تُزهر فخراً وتحكي قصة دم عراقي سقى أرض فلسطين.
الحروب العبثية واستنزاف الجيش
لقد تعرض هذا الجسد العسكري القوي إلى طعنات الاستنزاف بفعل مغامرات النظام البائد وحروبه العبثية التي أهلكت الحرث والنسل. وبحسب “مجلس العلاقات الخارجية”، فقد الجيش بريقه العددي والتقني حتى قبيل عام 2003، إذ انكمشت ترسانة الدبابات إلى ما بين 1,800 و 2,000 دبابة فقط.
وبعد عام 2003، بدأ الجيش العراقي رحلة العودة القوية، ناهضاً من وسط الركام ليعيد بناء صفوفه بالتطوع والإصرار، واضعاً نصب عينيه مكافحة الإرهاب وترسيخ الأمن رغم تحديات التسليح والتجهيز في بدايات التأسيس الجديد.
2014 – 2017: زلزال الحق وملاحم التحرير
حين هجم ظلام “داعش” في حزيران 2014، استنفر الجيش العراقي كبرياءه في اختبار وجودي بدعم من بقية الصنوف العسكرية وأستعاد المقاتل العراقي زمام المبادرة بسرعة البرق، وتوجت تضحيات التشكيلات كافة ببيان النصر العظيم في تموز 2017 بتحرير الموصل، حيث قدم الجيش قوافل من الشهداء والجرحى الذين بذلوا دماءهم ليعود العراق شامخاً، ولتبقى هذه المؤسسة هي الحصن الذي لا يُهدم، والذراع التي تحمي “الوطن والناس”.


























