سليم الفضلي
لقد أدى التجاهل المتعمد من قبل أنظمة الحكم المتعاقبة في العراق للمكونات القوميَّة والطائفيَّة إلى تراكم تاريخ ثقيل من الظلم والتعسف والاضطهاد، نال كل مكون من المكونات العراقيَّة نصيبه منه. ولعلَّ التركة البشعة التي خلفتها فترة الحكم البعثي – الصدامي لم يكن من السهل أبداً تجاوز تداعياتها، ولا التغاضي عن ضحاياها، ولا التساهل في وضع المصدات الوقائيَّة التي تمنعُ تكرار تلك الحقبة السوداء في تاريخ العراق الحديث.
كانت هذه المآسي حاضرة بقوّة خلال الولادة العسيرة للعمليَّة السياسيَّة التي انطلقت بعد سقوط النظام عام 2003. ومن الضروري الإشارة إلى أنَّ الإدارة الأميركيَّة آنذاك، وهي تقودُ التحالفَ الدوليَّ الذي أسقط نظام صدام، لم تكن غافلة عن تعقيد الموزائيك العراقي، بل رسمت سياستها وفق سيناريو قائمٍ على مبدأ “المكوّنات”، بحيث يحظى كل مكوّن بحقّه في السلطة والتمثيل السياسي وفقاً لثقله النسبي في المجتمع العراقي.
ولم يكن لأي نظامٍ سياسي غير النظام البرلماني أنْ يستوعبَ هذا التنوع، أو يضمنَ الحدّ الأدنى من الرضا لاستمرار العمليَّة السياسيَّة بسلاسة. ولهذا أقرَّ الدستور العراقي عام 2005 النظام البرلماني، إذ تفرز الانتخابات برلماناً، ويُكلّف البرلمان الكتلة الأكبر بتشكيل الحكومة.
وعلى مستوى الشكل العام، يبدو النظام البرلماني منسجماً وقادراً على جمع القوى السياسيَّة للعمل من أجل البلد، مع ضمان حقوق المكوّنات التي تمثلها تلك القوى. لكنَّ التطبيق العملي في العراق خرجَ عن هذا الإطار، ليتحوّل إلى نظام محاصصة طائفيَّة وحزبيَّة تجاوزت الرئاسات الثلاث لتصل إلى الدرجات الخاصة، بل وحتى إلى مستوى مديري الأقسام والشُعَب في الوزارات.
لقد كان عامل الثقة المتبادلة مفقوداً تماماً، فتعزّزت المحاصصة وترسّخت، ودفع البلد أثماناً باهظة نتيجة ذلك. كما أنَّ عدم الاتفاق على قضايا مفصليَّة يفترض أنْ تكونَ محسومة—مثل الإقرار بجرائم النظام البعثي المباد، وضرورة محاسبة المتورطين فيها، ومبدأ المشاركة العادلة في الحكم—فتح الباب واسعاً أمام الاستقواء بالخارج والجوار الإقليمي على حساب الشركاء المحليين.
لعبت التدخلات الخارجيَّة دوراً كارثياً في تعقيد المشهد، وأسهمت بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في الأعمال الإرهابيَّة التي انتهت بسيطرة تنظيم “داعش” الارهابي على عددٍ من المحافظات، وارتكابه جرائم مروّعة. كما أُهدرت ثروات هائلة خلال عقدين كان يمكن – لو أُحسن استثمارها – أنْ تغيّرَ واقعَ العراق نحو الأفضل.
المحاصصة شوّهت جوهر النظام البرلماني، الذي يقومُ أساساً على وجود أغلبيَّة سياسيَّة تحكم، ومعارضة تراقب وتحاسب. إلا أنَّ المحاصصة جعلت الجميع شركاءً في السلطة، فأُفرغ الدور الرقابي للبرلمان من محتواه، وأصبح من العسير إخضاع الوزراء للمحاسبة، لأنَّ لكل وزير كتلة تحميه وتدافع عنه.يشير عددٌ من المختصين في الأنظمة السياسيَّة إلى أنَّ الأحزاب العراقيَّة لا تملك رؤى واضحة ولا برامج سياسيَّة رصينة، كما تغيب عنها السمة الوطنيَّة العابرة للطوائف والهويات الفرعيَّة، وهي عوامل أساسيَّة لأي نظام برلماني مستقر.
وبفعل هذه التعقيدات، أصبحت التجربة العراقيَّة تحملُ سماتٍ تكاد تكون “ماركة مسجّلة” باسمها:
– طول المفاوضات الماراثونيَّة لتحديد الكتلة الأكبر.
– تأخر حسم اختيار رئيس الوزراء.
– اعتماد صيغة “السلة الواحدة” لاختيار الرئاسات الثلاث.
– تجاوز الفترات الدستوريَّة في كل دورة سياسيَّة تقريباً.
ومع وقوفنا اليوم عند أعتاب مرحلة جديدة لدورة برلمانيَّة أخرى، فإنَّ وقت المراجعة والتصحيح قد حان، ولا مبرر لاستمرار نهج المحاصصة. ولا بُدَّ من التحلّي بالحزم لإيقاف الانحرافات التي عطّلت النظام البرلماني وأفقدته قدرته على الأداء السليم، وإعادة عجلات العمليَّة السياسيَّة إلى مسارها الطبيعي. ويتطلب ذلك وعياً برلمانياً حقيقياً، وإدراكاً بأنَّ عضويَّة البرلمان ليست مغنماً للراغبين في الثراء، بل مسؤوليَّة وطنيَّة جسيمة.
إنَّ التجارب البرلمانيَّة الراسخة في العالم—التي تمتدُّ من أوروبا إلى الهند واليابان وصولاً إلى بعض دول المنطقة—تشترك في مبادئ أساسيَّة كان لها دورٌ حاسمٌ في نجاحها، ويمكن للعراق الاستفادة منها في مسيرة
الإصلاح:
1 – سيادة القانون وحماية الدستور: البرلمان في الديمقراطيات المستقرة يقوم بالدفاع عن الدستور، ويمنع أي خرقٍ أو تجاوز قد يهددُ النظام السياسي أو الحقوق العامَّة. ويعملُ النواب كحراسٍ للقواعد الدستوريَّة، لا كجزءٍ من محاصصة حزبيَّة.
2 – الفصل الواضح بين السلطات: النجاح البرلماني يتطلبُ رقابة فعّالة على السلطة التنفيذيَّة. ففي بريطانيا وكندا والهند، تُسقط الحكومات عبر التصويت، وتُحاسَب علناً، بينما لا تمتلك أي كتلة حصانة تمنع محاسبة وزرائها.
3 – أحزابٌ سياسيَّة ذات برامج واضحة: الأحزاب في الدول الديمقراطيَّة تمتلكُ برامجَ تفصيليَّة للصحة والاقتصاد والتعليم، لا مجرد هوياتٍ طائفيَّة أو شعاراتٍ عامَّة. ومن خلال هذه البرامج تُصوَّت وتُحاسَب.4 – تداولٌ سلميٌّ وتنافسيٌّ على السلطة: في معظم الأنظمة البرلمانيَّة الناجحة، هناك أغلبيَّة تحكمُ ومعارضة تراقب. ولا توجد حكومات “شراكة إجباريَّة” أو “سلال توافقيَّة” كما يحصل في العراق.5 – مراعاة التنوع من دون تحويله إلى محاصصة: بلدان مثل الهند وماليزيا وبلجيكا تستوعبُ تنوعها القومي والطائفي عبر مؤسساتٍ قويَّة تضمن الحقوق، من دون أنْ تُفرغَ الدولة من مضمونها أو تحوّل المكوّنات إلى تقاسم حصص.
6 – دور البرلمان في التنمية: البرلمان الناجح لا يشرّعُ فقط، بل يوجّهُ السياسات العامَّة ويحمي الثروات الوطنيَّة ويمنع الفساد عبر لجانه البرلمانيَّة القويَّة والمستقلة.
إنَّ التجربة البرلمانيَّة في العراق تحتاجُ إلى إصلاحاتٍ عميقة تعيدُ التوازنَ والفاعليَّة والدور الرقابي الحقيقي للمؤسسة التشريعيَّة. ولن يتحقق ذلك إلا عبر نبذ المحاصصة، وتعزيز الانتماء الوطني، وتطوير الأحزاب، وترسيخ ثقافة دستوريَّة تحمي العمليَّة السياسيَّة من الانحراف
























