كريم حمادي
لم تكن الحادثة مجرّد تسريب عابر، ولا فضيحة كما حاول البعض تصويرها، بل كانت جرس إنذار خطير لما يمكن أن تفعله الأكاذيب حين تُسلَّح بالتقنية، ويُطلق لها العنان في فضاء بلا ضمير.
أحد ضباط وزارة الداخلية وجد نفسه هدفاً لحملة تشهير منظمة، جرى خلالها تداول صور ومحادثات زُعِمَ أنها “غير أخلاقية”، وانتشرت بسرعة صادمة على منصات التواصل الاجتماعي، في مشهد يعكس هشاشة الوعي حين يُستبدل بالحكم المسبق، ويغيب فيه السؤال لصالح الإدانة.
التحقيقات الرسمية التي أجرتها وزارة الداخلية كشفت الحقيقة كاملة: الصور مفبركة، والمحادثات مختلقة، وقد جرى التلاعب بها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي. أما الصورة الأصلية، فهي صورة عائلية بريئة، تجمع الأب بابنه، تم تحويلها بوقاحة إلى أداة للابتزاز والاغتيال المعنوي.
إن ما جرى لا يمكن اختزاله في خطأ فردي أو سلوك طائش. نحن أمام ظاهرة مقلقة، تتغذى على الشائعات، وتستمد قوتها من سباق محموم على التفاعل، ولو كان الثمن تحطيم إنسان، وتشويه سمعته، وزعزعة استقرار أسرته، وضرب الثقة بالمؤسسات.
هذه ليست حرية رأي.
هذا عنف رقمي.
وهذا اغتيال معنوي مكتمل الأركان.
الخطر الحقيقي يكمن في غياب الضوابط الأخلاقية والقانونية، وفي جمهور يشارك في الجريمة حين يضغط “مشاركة” دون وعي أو مسؤولية.
إن حماية المجتمع لم تعد تقتصر على الأمن الميداني وحده، بل تمتد اليوم إلى حماية الحقيقة، وصون الكرامة الإنسانية، ومواجهة حملات التضليل التي تهدد أي مواطن، قبل أن تهدد مسؤولاً أو ضابطاً.
الصمت هنا ليس حياداً…
الصمت تواطؤ.























