بغداد – واع – وسام الملا
أكد مشروع تعزيز التحكيم ومكافحة الفساد في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق، اليوم الثلاثاء، أن حصول العراق على 28 نقطة في مؤشر الفساد يشير إلى إصلاحات قائمة، وفيما بين أن الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد عززت تنسيق المؤسسات، أشارت إلى أن توسع العراق في تقديم الخدمات الرقمية حدّ من فرص الفساد.
وقال مدير المشروع ياما تُرابي، لوكالة الأنباء العراقية (واع): إن “حصول العراق على 28 نقطة من أصل 100 في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 لم يكن مفاجئاً لكثير من العراقيين؛ نظراً لتأثيرات الفساد المتراكمة على المواطنين، ولا سيما في ما يتعلق بالحصول على الرخص والموافقات وتقديم الخدمات العامة والثقة بالمؤسسات”، مبينة أن “السؤال الجوهري لا يتمثل بوجود الفساد من عدمه، بل بما تعكسه هذه النتيجة عن موقع العراق الحالي وإمكانات تطوره مستقبلاً”.
وأضافت أن “مؤشر مدركات الفساد غالباً ما يُساء فهمه بوصفه ترتيباً رقمياً بسيطاً، في حين أنه في الواقع مقياس للثقة يعكس نظرة المواطنين وقطاع الأعمال والمستثمرين والشركاء الدوليين إلى موثوقية مؤسسات الدولة، ومدى تطبيق القواعد بشكل متّسق، وحقيقة المساءلة، واستدامة الإصلاحات”، مشيرة إلى “أهمية المؤشر بالنسبة للعراق الذي تنبع من تأثيره المباشر قرارات المستثمرين والمقرضين وشركاء التنمية، الذين يعتمدون عليه لتقدير المخاطر وتحديد طبيعة الانخراط الاقتصادي، سواء أكان قصير الأجل أم طويل الأجل، مضارباً أم إنتاجياً، ومحدوداً أم واسع القاعدة”.
وبينت أن “العراق اتخذ- خلال السنوات الأخيرة- خطوات واضحة لتعزيز إطار مكافحة الفساد، من بينها الاستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد للأعوام 2021 – 2025، التي أسهمت في مواءمة المؤسسات حول أولويات مشتركة، فضلاً عن إعداد استراتيجية متابعة للمدة 2025 – 2030، بما يعكس نية الاستمرار بالإصلاح”.
وبينت أن “مؤشرات التصورات، ومنها مؤشر مدركات الفساد، تتقدم ببطء شديد، ولا سيما في المرحلة التي تتطلب انتقال الخطط والإعلانات إلى ممارسات يومية مؤسسية وشاملة”، مشيرة إلى أن “مؤسسات مثل هيئة النزاهة الاتحادية ونظيرتها في إقليم كردستان يُنتظر منها أن تتجاوز دور التحقيق في القضايا إلى الإسهام في بناء منظومة نزاهة أوسع تشمل الوقاية والرقابة والتنسيق والتعاون بين أجهزة الدولة”.
وذكرت أن “هذا التوجه يعكس تحولاً في الفهم، إذ لم يعد الفساد يُنظر إليه كمشكلة قانونية فحسب، بل كإشكالية حوكمة تنشأ عندما تبقى السلطة بلا ضوابط، وتغدو القواعد غير واضحة، ويكون إنفاذها غير متكافئ”، موضحة أن “التجارب الدولية تظهر تعثر العديد من الدول بعد اعتماد الاستراتيجيات، وقبل أن تتمكن المؤسسات من إثبات التطبيق المتكافئ للقواعد على جميع القطاعات وفي مختلف المراحل السياسية”.
واعتبرت أن “العراق يمر بمرحلة توطيد شاقة مماثلة، ومن أبرز أمثلتها ملف التحول الرقمي”، مؤكدة أن “توسع العراق في تقديم الخدمات العامة الرقمية، مثل خدمات الجوازات والبطاقات الوطنية والبوابة الحكومية أور، أسهم في تقليل التفاعل المباشر، ما حدّ من فرص الفساد، وعزز الشفافية من خلال توحيد الإجراءات وزيادة قابلية التتبع، مؤكداً أن هذه الخطوات لاقت ترحيباً ملموساً من المواطنين”.
وأشارت إلى أن “الخبرة الدولية تؤكد أن التحول الرقمي لا يعزز المصداقية إلا إذا اندمج ضمن إصلاح حوكمي أوسع، مستشهدة بتجربتي جورجيا وإستونيا، حيث ترافق التحول الرقمي مع إصلاحات إدارية ومؤسسية عززت الانضباط والمساءلة، ما جعل التكنولوجيا أداة داعمة للقواعد المؤسسية لا بديل عنها”، لافتة إلى أن “التحول الرقمي يُعد خيار حوكمة بالدرجة الأساس، إذ يمكن للتكنولوجيا أن تعزز الثقة وتحد من التقدير الشخصي عندما تكون القواعد واضحة والرقابة فعالة، في حين قد تعيد الأنظمة الرقمية إنتاج اختلالات القوة القائمة إذا غابت هذه الشروط”.
وشددت على “أهمية البنية التحتية العامة الرقمية التي تنقل التركيز من خدمات منفردة إلى منظومات أساسية متكاملة تُبنى من خلالها المصداقية المؤسسية على نطاق واسع”، موضحة أن “مؤشر مدركات الفساد يعكس أيضاً مخاوف يومية يعيشها العراقيون، تتعلق بتكافؤ تطبيق القواعد، وقدرة هيئات الرقابة على العمل دون ضغوط، واتساق المساءلة”.
وتابعت أن “هذه التحديات تتقاطع مع الضغوط البيئية والمناخية، مثل شح المياه وتدهور الأراضي ومتطلبات الاستثمار المناخي، ما يزيد من أهمية النزاهة والشفافية في إدارة هذه الملفات”، مؤكدة أن “انخفاض نتيجة العراق في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 يبرز فجوة ثقة بين نوايا الإصلاح وتجربة المواطنين اليومية”.
ولفتت إلى أن “ردم هذه الفجوة يتطلب الانتقال من إجراءات متفرقة إلى إصلاحات مدمجة في الممارسة المؤسسية اليومية ومحميّة من التقلبات السياسية”.
وشددت على أن “انخراط برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في العراق، بما في ذلك مشروع تعزيز التحكيم ومكافحة الفساد من أجل العدالة البيئية، يركز على دعم تأصيل الإصلاح مؤسسياً وتعزيز التنسيق وترسيخ التحول الرقمي القائم على أسس الحوكمة”، مشيرة إلى أن “مؤشرات التصورات تستجيب ببطء، لكنها عندما تتحسن تعكس إصلاحات حقيقية ومستدامة، وأن التحدي الرئيس يتمثل في تحويل زخم الإصلاح إلى ثقة بالمؤسسات، ثم إلى ازدهار طويل الأمد”.
























