بطقوس السكينة والسلام.. رمضان يتجدد ببيوت وأزقة العراقيين ومدفع الإفطار يحيي الذكريات

بانيقيا نيوزمنذ 5 ساعات
بطقوس السكينة والسلام.. رمضان يتجدد ببيوت وأزقة العراقيين ومدفع الإفطار يحيي الذكريات

بغداد – واع – آية منصور

منذ سنوات والمدينة تجرّ رمضانها على إيقاع جديد، ومع ذلك تبقى الطقوس هي الروح التي تمسك الشهر من أطرافه كي لا يتبدّد إلى أيام متشابهة، لذا كان صوت مدفع الإفطار الذي أطلقته مدفعية الجيش العراقي بعد سنوات من الانقطاع، هذه الأيام، حدثاً فرِح به الناس، كأنه استعادة لعلامة كانت غائبة طويلاً، أو تذكير قديم يعود إلى مكانه الطبيعي عند حافة الغروب.

في الأحياء، وتحديداً الشعبية، لا يحتاج رمضان إلى زينة ونشرات ضوئية كي يُرى، ولكن يكفي أن تتبادل البيوت صحونها قبل الأذان، وأن تمتلئ المقاهي بعد التراويح بدخان الشاي وحكايات الليل، وأن تعود لعبة المحيبس لتجمع الرجال والصبية حول لعبة تُدار فيها الوجوه والضحكات والحدس، وضربة المدفع هنا لا تؤدي وظيفة التوقيت فقط، إنما تُعيد ترتيب الذاكرة، وتفتح الباب أمام سؤال بسيط وحاد في آن واحد، ما الذي تغيّر فعلاً من طقوس رمضان، وما الذي بقي ثابتاً لأنه يشبه الناس أكثر مما يشبه الزمن.

المشاركة الجميلة

وقالت ربة المنزل، سهى البكر: إن “رمضان يكشف حجم العمل غير المرئي الذي تتحمله النساء داخل البيت، ثم يخفّ ثقله حين يتحول الإفطار إلى فعل جماعي حقيقي”، مضيفة أن “ساعات التحضير تبدأ منذ الظهيرة، بين ترتيب البيت وتجهيز المائدة والطبخ، ثم تأتي الدقائق الأخيرة، وكل شيء يجب أن يكون في مكانه، وكل صوت في البيت يسمع يقلل التعب فرؤية العائلة مجتمعة يجعل ربة المنزل تنساه، لأن المائدة في النهاية ليست وجبات فقط، بل لحظة تلتقي فيها الأسرة على معنى نبيل واحد”.

وتابعت، أن “أكثر ما يبدّل مزاجها في رمضان هو عندما يشعر الأبناء بثقل اليوم ويقررون المشاركة من غير طلب مباشر، حيث يقطع أحدهم الخضار، وآخر يجهز السفرة، وثالث يتولى توزيع الأكواب أو ترتيب الصحون، ثم بعد الإفطار يتقاسمون التنظيف ولملمة المكان”، مبينة ان “هذا التعاون الصغير يخلق إحساساً بالإنصاف، ويجعلها ترى الشهر كمساحة مشاركة بدل أن يبقى عبئاً ثابتاً على كتف امرأة واحدة، وأجمل ما في رمضان حين يتعلم الأولاد أن أي عمل وجهد يستحق أن يُقابل بالاحترام والمساندة”.

المحيبس والمقاهي

لفت المواطن، كرار أحمد، الى أنه “لا يتذكر رؤية (المحيبس) بأيام عادية غير رمضان، وكأن اللعبة لا تفتح أبوابها إلا في هذا الشهر الفضيل، كون باقي السنة الجميع منشغل بعمله”، مردفاً أن “لعبة المحيبس تعيدهم إلى صورة قديمة للحي، تتمثل برجال يجلسون كتفاً إلى كتف، وضحكة تنفلت من دون حساب، وحدس يتنقل بين الوجوه، لأن اللعبة لا تبحث عن فائز، بل هي طقس يوقظ ذاكرة الجماعة ويجمعها حول شيء بسيط يفهمه الجميع”.

وأكمل أن “الجلسة في المقهى خلال رمضان تختلف عن أي وقت آخر، لأن الليل أطول، والناس أقل استعجالاً، لأنهم يأتون بعد التراويح، يطلبون الشاي، يبدؤون بالمحيبس أو الدومينو، ومنذ الطفولة أرى نفس الوجوه تقريباً، نفس الأحاديث، ونفس الإحساس والحي لا زال نفسه”، منوهاً بأن “هذه التفاصيل هي التي تثبّت رمضان في الذاكرة، لأن الشهر حين يعود، تعود الطقوس وتضيف معنى للمكان والناس”.

الطقوس الدينية

من جانبه، أكد المواطن، أحمد تحسين، أن “رمضان عنده يتحول إلى مدرسة صغيرة داخل البيت، لأنه يصبح أقرب إلى الأبناء وهم أكثر قابلية للفهم بسبب قربهم من الدين في هذه الأيام”، موضحاً أنه “يذهب مع أولاده إلى التراويح، ليشعروا بأن العبادة جزء طبيعي من حياتهم اليومية وحين يلاحظ تعبهم يختصر معهم ويعود، كي ترتبط العبادة عندهم بالسكينة”.

وأشار الى أنه “يخصص لحظات بسيطة قبل الإفطار وبعده لقراءة قصيرة من القرآن أو لحديث ديني سهل، ثم يربط المعنى بسلوك صغير مثل (الصدق في الكلام، احترام الأم وهي تعمل في المطبخ، مشاركة الإخوة، وترك الأذى حتى في المزاح)”.

وأكد أنه “يحرص على أن يرى أطفاله الدين في التفاصيل اليومية أكثر من الخطب الطويلة، ويجعل السحور فرصة لحكايات قصيرة عن الصبر والرحمة، وأن يفهموا بأن رمضان ليس مجرد جوع وعطش، وانما أخلاق”، مختتماً بأن “أهم ما يحاول نقله لأبنائه هو أن العبادة لا تنفصل عن الناس ولا تكون خلال أشهر محددة، لكن شهر رمضان تكون فيه العبادة أكثر”.

الاخبار العاجلة